مجد الدين ابن الأثير

399

المختار من مناقب الأخيار

شيء قدير « 1 » . قلت : فعلى ما أنت مقيم يومك هذا ؟ فقال : قد كادت عيني ترى أعلام المستأنسين « 2 » . فقلت له : ما الذي قطع بك عن الوصول إلى ما هناك ؟ فقال : يا ذا النون ، ها أنا ذا دائم القلق ، أضرع إليه في الرّاحة ، وأسأله بلوغ الأمنيّة ، وهو العليم بما يصلح به النّفوس . قلت : أفتجد على قلبك من الخلوة شدّة ؟ فقال : ما أظنّ أحدا عرف ربّه يحتاج مع أنسه إلى رؤية الأهلين ، ولا من انقطع إليه يكله إلى أحد من المخلوقين . قلت : هل من وصيّة وعظة « 3 » ؟ فقال : نعم . قلت : وما هي ، رحمك اللّه ؟ فقال : مبادرتك إليه إذا دعاك ، وتركك التخلّف عنه إذا ناداك ، ودوام الإقبال عليه بخلع الرّاحة من نفسك ، وحذف كلّ ما دعاك إلى ما يبعدك منه ، ويحول بينك وبين الظّفر بالمراد ، حتى لا يفقدك من عنده نفعك ، ولا يجدك عند مضارّك . قلت : زدني . قال : إيّاك أن تترك حالة لحالة حتى ينفذ ما أنت عليه من مرادك ، فإنّ للعدوّ هاهنا مجالا . قلت : زدني . قال : نعم ، تملّقه ، فإنّ لتملّقه غدا فرحة تستوعب جميع الأحزان ، وتظفر بدار الكرامة والأمان . قلت : زدني . قال حسبك يا ذا النّون ، إن عملت بما أخبرتك . ومضى رحمة اللّه عليه . * * * وقال ذو النّون : بينا أنا أسير في بعض سياحتي إذا بصوت حزين كئيب موجع القلب . أسمع الصّوت ولا أرى الشّخص ، وهو يقول : سبحان مفني الدّهور ، سبحان مخرّب الدّنيا ، سبحان مميت القلوب ، سبحان باعث من في القبور . فاتّبعت الصوت فإذا أنا بنقب ، وإذا الصوت خارج من النّقب ،

--> ( 1 ) في ( أ ) : « مقتدر » . ( 2 ) في ( ب ) : « كادت نفسي ترى أعلام المشتاقين المستأنسين » . ( 3 ) في ( ب ) : « وموعظة » .